"ملك ونداء" من مهمشات إلى منتجات

حجم الخط

وكالة خبر

تداعب بأناملها الغصة لوحتها الفنية وكأنها طفلتها الصغيرة، تتنقل من غرزة إلى أخرى، بخفة ودقة متناهية برفقة حواسها كافة، ما تنتهى من سطر حتى ترى البسمة تشق شفتيها وترتسم على محياها وكأنها تكافئ نفسها على إنجاز هذه المهمة.

"ملك".. من ذوات الإعاقة الذهنية، كانت في يوم من الأيام عالة على أسرتها وعبء ثقيل تنوء الجبال على حمله، إلا أن وجدت طريقها إلى المساحات الصديقة، وتجد من يوظف هذه الامكانيات الكامنة، وتصبح إنسان يعتمد على ذاته ويشعر بوجوده في مجتمع ما زال ينظر للمرأة نظرة قاصرة وغير موضوعية.

كانت البداية في مؤسسة لا تنسوني أبدا تعليم تدريب توعية وإتقان لمهارة التطريز، وبدأت رحلة الحياة إلى أن تم إشراكها في مساحات المركز الآمنة مع المدربات اللواتي لم يتأخرن عن تقديم كل التسهيلات والدعم النفسي لـ "ملك"، حيث وجدت مساحة آمنة ليس في مركز صحة المرأة، ولكنها امتدت غلى بيتها ومحيطها.

وتقضي "ملك" أربعة ساعات من وقتها في تعلم هذه المهارة وممارسة هوايات أخرى برفقة أخريات من زميلاتها، تتواصل معهن بلغتها الخاصة وبعض الإشارات التي تعطى دلالات على إرتياحها في تلك المساحة.

أبو عيشة مدربة التطريز في المساحات الآمنة في مركز صحة جباليا التابع لجمعية الهلال الأحمر، قالت:" إن ملك وشقيقتها تطورت مهارتهن لدرجة كبيرة، وأصبحن يمتلكن بصمات في اللوحات الفنية"، وكانت في السابق تعطى لهن نماذج جاهزة ولكن اليوم أصبحن أكثر قدرة على التمييز ويتقن التطريز بتركيز عالي.

شقيقة "ملك" اتخذت زاوية أخرى داخل المساحة، كانت أقل حديثاً ومشاركة من ملك وإن كانت قد استطاعت أن تغادر دائرة الانطواء التي كانت تسيج بها حياتها داخل أسرتها، بخروجها من البيت، انعكس ذلك على سلوكها وبدت أقل إثارة للمشاكل والأكثر طاعة لوالدتها.

وتعي "نداء" ما يدور حولها من إشارات وكلمات وتكتف بالإيماء بإشارات كدلالة على موافقتها على هذا الموقف أو معارضتها له، واتقنت التطريز بوقت قصير تنسجم مع لوحتها الفنية غير آبهة لمن يحاول أن يقطع خلوتها الفنية.

"نها" أنهت دراستها الجامعية، ولم تنتظر الوظيفة لأنها ستأخذ وقت طويل اختصرت المسافات ارتأت أن تتعلم مهارة تخرجها من عزلتها الأسرية، وتوجهت للمركز لتعلم مهارة الصوف، التي وفق وصفها أخرجتها من قوقعتها، وأشغلت وقت فراغها، بل استطاعت أن تبنى شبكة من العلاقات الاجتماعية داخل المركز.

وتقول:" تغيرت حياتي شعرت بقيمتي في المجتمع، خرجت من وحدتي، وأصبح لي علاقات وصديقات أفضفض لهن ما يدور في نفسي، وألقى بهمومي خلف ظهري، ولم أعد اعاني من إحباط  أو اكتئاب، وفارقت الدموع التي كانت جزءاً من يومياتي".

وتطمح "نها" إلى أن تطور من عملها ويصبح لديها مشروع خاص تستطيع أن تعتمد عليه في تلبية احتياجاتها الأساسية، خاصة وأن أسرتها تعتمد على مخصص شقيقها الشهيد.